الجمعة، 28 أكتوبر، 2011

عندما كنت في الجنة !


(ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا)

قد تتعجبون من العنوانِ كتعجُبي من هذه القصة التي سمعتُها من امرأةٍ عجوز ٍ ماعهدتُ عليها كذباً ، قد عُرِفت بصدقِ القولِ ، وطهارةِ النفسِ ، وحُبِّ الخيرِ ، فلو أنّ الملائكةَ يعيشونَ بيننا لقلتُ بأنها مَلَكٌ تمثلَ في صورةِ إنسيّ ، ولو أنّ الخيرَ تجسدَ في صورةِ بشر ٍ لتجسدَ في هيئتها .

تقول العجوز، أن هذه القصةَ حدثت قبل أكثر من سبعين سنة وسأترُكها تحكي لكم :

في تلك الخيمةِ الصغيرةِ المتهالكةِ كانت تعيشُ امرأةٌ محبةٌ للخيرِ، رحيمةٌ بالفقراءِ والبائسين، تبذُلُ ما في يدها لهم ، وتَقسِمُ لُقمَتَها بينهم ، فلو أنّها تستطيعُ التصدقُ بعمرِها لفعلت.


وقد ابتلاها اللهُ بزوجٍ ٍ شديد البخلِ ، دنيء النفسِ ، لئيم الطباع ، كان على النقيضِ منها تماماً وقد تَجمَعُ الحياةُ أحياناً بين النقائضِ والأضداد !!

وكثيراً ما كان المسافرون ورُعَاةُ الغنمِ يمرون بهذه الخيمةِ فيطلبون شَربَتَ ماءٍ تُطفِئ عطشَهم وتَبُلُّ عروقهم ، فكانت هذه الرحيمةُ تركض ُفرحةً لتسقيهم فيمنعها زوجها اللئيم من ذلك وحُجتُه التي يحتجُ بها دائماً هي قلة الماء وشحه وندرته !!

فكانت كلما أوت إلى فِراشها تبكي حزناً وحرقة ً  ، فلو نظرتَ إلى عينيها وقد استحالت حمراءَ من شدةِ البكاء فكأنّك تنظرُ إلى جمرتين في ظلام .
وتعرفون أنّ النفسَ الكريمةَ لا تعرِفُ سِوى الإنفاق ، فكما أنّ السمكَ يموتُ إذا اُخرج من الماء ، فإنّ الكرماءَ يموتون إذا مُنعوا  العطاء .

فكرت هذه المرأةُ البائسة ُ بطريقةٍ للتصدق تنال بها رضا ربها وتَأمَن شر زوجها فدلها عقلها على أن تصنع قربة ً صغيرة ًوتملؤها بالماء دائماً فإن جاء طالبٌ يطلبُ ماءً سقته فنفذت فكرتها ونجحت في ذلك.
بقيت هذه المرأةُ الرحيمة ُعلى فعلها هذا سنين طوال حتى حدث ما لم يكن بالحسبان !!


كانت في خيمتِها ، وقد جلست بين أبنائها وزوجها ، وقد وضعت صغِيرها في حِجرِها تُلاعِبُه وتُدَاعِبُه وتُنَاغِيه ، تشُمُّهُ وتضمُّه وتُقبله ، فكان طفلها يضعُ يدهُ على خدِها ثم يُمسِك بخصلات شعرِها فتضحكُ من فِعلِه وبَراءتِه لكنّ المنية َ كانت أقرب إلى جسدها من ولدها تداعب روحها بأيديها الخفية .
فبينما هي على هذا الحال إذ سقطت فجأةً مغشياً عليها فكان أمرُ الله ولا راد لأمره

سقطت هذه المرأة ُوقد كانت بين أبنائها وزوجها ، سقطت وقد كانت تحتضنُ طفلها ، سقطت فكانت لحظة الموت  ، سقطت فكانت لحظةُ الوداع وأي وداعٍ ٍ كهذا ؟؟!!!


ولك أن تتخيلَ ذلك الموقفُ ، موقفٌ رهيبٌ عصيب ، صُرَاخٌ وعويلٌ ونحيب وبكاءٌ لا ينقطع.
تبدَّلَ ذلك الجو من سعادةٍ إلى شقاءٍ أبدي .
إلتفَّ الزوجُ وأبناؤه حول هذه المرأة المسكينة ، فهذا يُمسك يدها يجس النبض ،وذك يضعُ أُذنه على صدرها عَلّهُ يسمع خفقة ً تُكذِّب ما تراه عيناه  ولكن دون جدوى
لقد استحال ذلك الجسدُ الحي الطاهرُ إلى جثةٍ هامدةٍ لا أثر للحياة فيها  ،تَبَدَّلَ لونُها إلى زُرقَةٍ و بَرَدت أطرَافُها فكأنّها الثلجُ ،  وهل هذه العلامات إلا شاهد آخر على الرحيل فإنا لله وإنا إليه راجعون .
لقد أُصيب كل من عرف تلك المرأة بالذهول فلو أن الناسَ يدفعون عن أنفسهم الموتَ بأعمالهم لدفعَ عملُها الطيبُ الموتَ عنها .
لقد بكاها الفقراءُ قبل الأغنياء وفقدها الغريبُ قبل القريب ولكنّها سنةُ الله ولن تجد لسنة الله تبديلا .

قامت أمها وأخواتها بغسلها وتكفينها والدموع تسيل من أعينهم فلا تعلم أُغسلت بالماء أم بالدمع ، فما فرغوا من تجهيزها إلا بعد صلاة العشاء فقرروا أن يصلوا عليها الفجر ثم يدفنوها .

وضعوها في خيمتها ثم اخذوا أبناءها وتركوها وحيدة ًفي خيمتها لا أحد عندها سوى زوجها
كان الزوج يجلسُ بالقربِ من الجثة فيُعرَض في مخيلته شريطٌ من الذكريات فيذكر أيامه كلها مع زوجته الطيبة والعجيب أنّهُ لم يجد شيئاً سيئاً يشوه جمال هذا الشريط .

حاول أن ينام وهيهات هيهات ، فأنّا للقلبِ المكلومِ وللطرف ِالمحزونِ أن ينام وكيف ينامُ وقد استحال كل شيءٍ أمامه إلى سواد فكأنّ القمرَ لم يطلع وكأنّ النجومَ لا تضيء.

انقضى الليلُ إلا قليله ، وبينما الزوجُ على هذا الحال إذ سَمِعَ أنّة ً ضعيفة ً ما لبثت أن انقطعت ثم أرخى سَمعَهُ وأصَاخَ جيداً فإذا بالصوتِ يتكررُ ، أخذ يتلفتُ من حوله عَلّهُ يجدُ طفلاً نائماً أو شخصاً قريباً من خيمته فلم يجد !!

توجه إلى الجثة بخطوات متثاقلة ، فكانت مشاعره خليطاً بين الخوف والحزن والرجاء فأزاحَ الكَفَنَ عن وجهِ زوجتهِ ووضعَ يدهُ على عُنُقِهَا يَجُسُّ نَبضَها وقد كان على يقين بأنها قد فارقت الحياة .

وبينما هو على هذا الحال إذ سمع أنّة ً ضعيفة ً كسابقاتها  أوقفت الدماءُ في عروقِه فأخذ ينادي زوجته باسمها وهي تُجِيبُهُ بِهَمهَمَةٍ لا تكاد تُبين.

لم يصدق الزوج ما سمعه ولم يتمالك نفسه فصرخ صرخة ًعظيمة ً شقَّت صدرَ الليل الكئيب الحزين وأخذ يُقَبِلُ جبينها ودمُوعُه تُبَلل وجهها فيمسح ذلك الوجه الطاهر برحمة ٍ وشفقة ٍ وود .

انتشر الخبر سريعاً فتجمعَ أهلُ الزوجةِ في بيتها والتفّوا حولها حتى طلعت الشمس فلم يظهر عليهم نهارٌ أجمل من هذا النهار كيف لا وقد دَبت الروحُ في جسد تلك المرأة كما تدُب الحياةُ في غصنٍ يابس ٍفيُورِقُ ويَخضَرّ .

كانت هذه المرأة تتصفح الوجوهَ َ من حولها فترى العيون وقد فاضت بالدموع فتنظر إليهم ذاهلة مستغربة حتى أشفقت أمُها عليها فقصَّت عليها خبرها.

وبعد أن انتهت الأم من حديثها سكتت الزوجة ثم نظرت إلى الجميع وقالت : أهذا ما حدث لي ؟؟!!
اسمعوا إذن ما سأقولُهُ وماذا رأيت !

لمّا سقطتُ على الأرض ِمغشياً علي رأيت كما يرى النائم ُأني أسيرُ في أرضٍ ٍ جرداء شديدة الحرارة وقد بلغ بي العطش مبلغاً عظيماً فبحثت عن ماءٍ فلم أجد فبقيت أسير لا أَلوِي على شيء حتى وصلتُ إلى مكانٍ ما فوجدت ُ ثلاث قِرَبٍ يحرسها كلبٌ ينبح فنظرت إليها فوجدتها ملآ ففتحت القربة الأولى لأشرب فإذا هي قد مُلِئَت دماً فتركتها فقلت أفتح الثانية فوجدتها قد مُلِئَت فرثاً فتركتها ففتحت الثالثة فوجدتها قد ملئت صديداً وقيحا فكرهتها وعافتها نفسي ثم نظرت إلى يميني فوجدت قربة صغيرة قد عُلقت على شجرة فذهبت إليها وفتحتها فإذا بمائها عذبٌ باردٌ زلال فشربت حتى رويت فوجدت بجانبها امرأة تلفّعَت بالسواد ، سلمت عليها فردت السلام فقصصت عليها ما حدث معي مع القِرب ثم طلبت منها تفسيراً لما حدث .

فقالت تلك المرأة : حسنا سأخبرك .
تلك القِرَبُ التي ترين هي قِرَبُ زوجك الذي كان يمنع الناس من الماء وذلك الكلب هو عمله القبيح وتلك القربة الصغيرة هي قربة لك صنعتها في الحياة الدنيا فكنتِ تطلبين وجه الله ورضاه فوجدتها اليوم والله لا يضيع أجر من أحسن عملا .

فما انتهت الزوجة من حديثها حتى رأت الدموع وقد فاضت من المآقي وكان أشدهم بكاء زوجها فكانت سببا في نجاته بإذن الله
لا أعلم ما الذي حدث لهذه المرأة بالضبط لكني أعلم أن الله يقول (ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا)

هناك 4 تعليقات:

  1. تبارك الله
    قصه تقشعر لها الأبدآن
    سلمت أناملك أخي وبارك الله فيك
    جعلنا الله وإياكم ممن يبشرون بروح وريحآن وربٌ رآضٍ غير غضبآن :)
    أطيب المُنى

    ردحذف
  2. اللهم آمين ولك أدعو بمثل ما دعيت
    أسعدك الله فقد أسعدني حضورك

    أكرر شكري استاذة هديل الحمام

    ردحذف
  3. سبحان الله
    فعلا " وله في خلقه شؤون "
    اعجبني جداااا
    كل الذي قرأته ماجد...
    متابعة لك .

    ردحذف
  4. أهلا أستاذة (مبسمها العذب)
    عذب مرورك أيضا اسعدك الله

    أتشرف والله بمتابعتك
    دمت بخير

    ردحذف